mercredi 29 avril 2015

طيبُ الأمل



أيام طويلة مضتْ، و ليالٍ كئيبة قضتْ، عشناها دون المُسماة كهرباء .. دون ماء إلا قطرات ..دون طعام إلا الفُتات
القلوب ترتجف و الدموع تنهمر..أزيز الرصاص يعلو فوق زقزقة العصافير..
أصوات الانفجارات تملأ المكان ، والخوف ينشر جنوده في كل الأنحاء..
آه..عن ماذا أتحدث..؟؟!!
قلوبنا عطشى للأمان ، عيوننا تحلم بالسلام..
هنا جلسنا في منزلنا الحبيب الذي لطالما كافح ليبقى واقفاً يُسبح الجبار.
هنا كان أبي يصلي و يدعو، هنا كانت أمي تُرتل آيات القرآن العظيم و تحتضن أخي وسيم و تحنو عليه عسى ينام رغم الضجيج..
أما عن حالي فلا تسل..
جلستُ أكفكف دموعاً أبت إلا أن تسيل ، أسأل و في قلبي حرقة: إلى متى ..؟؟!!
أتسأل لم وصلنا إلى هنا ..؟؟!!
و إذ بصوتٍ ندي نقي يعلو فوق كل صوت ..إنه صوت الأذان: الله أكبر ..الله أكبر
أحسست أن هذا النداء لي خاصة ،
"حي على الصلاة ، حي على الفلاح"
سارعتُ ملبياً النداء و كلماته الطاهرة تنساب على لساني .
صليتُ صلاة سمت بها روحي ، تضآل فيها همي ، و علت بها همتي ، و تسللت السعادة إلى قلبي .. رباه ما أكرمك و ما أرحمك
ناديت : أبي..أمي رضاكما زادي ..
قال أبي :رزقتم السعادة في الدنيا و الآخرة يا بني.
أما أمي فقد أومأت إلي: أن أُقبل إلي يا حبيبي،تعال يا بني .. فارتميت بين يديها،أستشعر الدفء بعد أن أضحت باردة دنيانا ، أطلبُ الأمن بعد أن رحل عنا ، أبحثُ عن السكينة التي غادرتنا.
صوتُ أمي كلهُ حنان، لمسات أمي فيها السلام ،هاهي ذي تمسح على رأسي، و تلاعب يداها شعري . أماه ما أعظمك !!
قلتُ لها مداعباً : أتراكِ، يا أماه، ظننتِ أنني وسيم ابنك الصغير ، أنا رامي يا أماه و قد أصبحتُ شاباً .
ابتسمت أمي و قالت: أنت و أخوك يا حبيبي أجمل شيء في حياتي، و سأبقى أجودُ بحبي و حناني و إن صرتم شيوخاً .
صمتت أمي ، و انتشر الهدوء أرجاء البيت ، فشعرت بالدفء و الاطمئنان .
أغمضتُ عيناي لعلّي أغفو قليلاً في أحضان الحنان و العطاء.
و إذ بدمعةٍ تلامسُ خدي ، إنها دموع أمي
-مآبكِ يا أماه ؟؟!! لماذا تبكين ؟!!هل كلماتي أزعجتك ؟!! ، أماه سامحيني .
قالت : لا،لا،يا بني ، أنت حبيب قلبي ، كلامك بلسمٌ و شفاء .
قلتُ متسائلاً : ما الأمر إذن ؟؟
_ بني ، أنا خائفة خائفة من يوم أفقد فيه أحدكم .
و شهقتْ من انهمارِ الدموع .
قلتُ لها : أماه لا تخافي ....
و ينما نحنُ على هذه الحال ، إذ بصوت غليظ ذي بحةٍ قبيحة و لهجةٍ بشعة : افتحوا الباب ، افتحوا الباب قبل أن نحطمه على رؤوسكم .
ناديت : أبي ، ما الخطب ؟!! ماذا يريد منا هؤلاء؟؟!!
سارعَ أبي إلى الباب و هو بتصبب عرقاً ، وفتح الباب و إذ بسيلٍ من الجنود المسلحين يدخلون بيتنا بكل شراسةٍ و وقاحة
فجأة شع ضوء كأنه البرق فأفزعني ...... إنه كبير الخائنين يحمل سكيناً يلوح بها يمنةً و يسرى,ينظر إلينا بكل غدرٍ و خيانة.
اقترب من أخي وسيم و هو بين يدي أمي , ارتجفت مقلتيها و شرقت بريقها.
اقترب منه و صفعه على خده الرقيق, صحتُ به:ابتعد عن أخي,ابتعد يا أيها الخبيث النجس.
قهقه الغدار مستهزئاً : هاهو ذا قد هب البطل , هل استيقظت فيك الشهامة أم هل تحركت دماء الأخوة.
علا صوتي حتى كادت الدنيا كلها تسمع قولي:ما أقبحك أيه الشرير,ستندحر أنت و أتباعك مخذولاً مطروداً..
فقال : نحن الأقوى يا صغيري,سنبقى و ترحلون,سنعيش و تموتون .
صرختُ بثقة :كلا,والله إننا لمنصورون, و إن العزة و الرفعة لنا ,ولن يبقى لكم إلا الخزي و العار و الهوان.
أسكتني والدي و قال هامساً:بني,اسكت,..سيقضي علينا جميعاً إن....
سكتُ على مضض,و عوى الخبيث قائلاً:صدقت يا رجل,سأقضي عليكم جميعاً,...التزموا الصوت جميعاً لا تتكلموا,..
ثم اقترب مني فشممتُ رائحة الغدر و عفن الخيانة المبتعثة من روحه المشوهة,فقلتُ له: ابتعد أيه الوغد لا تقترب مني ..
هدأ نفسه ثم قال: أيها الصغير ,أريد أن أسألك سؤالاً و إن أجبتني بصدق سأتركك و أهلك و شأنكم.
نظرت له باحتقار و اشمئزاز , ولم أرد عليه ببنت شفة.
فتحدث بابتسامة صفراء:حسناُ ,لا بأس, سؤالي هو :ماذا تعرف عن الحرية يا أيها الصغير , قلتُ له: لستُ صغيراً يا وضيع,لتكن على علم بأنني أعرف عن الحرية مالا تعرفه أنت و لا أسيادك ,و أتمتع بها أكثر منك و من أذنابك.
أيه الحقير المملوك,الحرية هي التحرر من أغلال الحقد و الضغينة التي تسيطر على قلبك و عقلك, الحرية هي التحرر من نجس الغدر و رجس الخيانة , الحرية .......
قاطعني الماكر و قال: أحسنت أحسنت يا لك من مثير, أكاد أشفق عليك,أهكذا ترى الحرية؟؟!! أكمل أكمل....
_الحرية أن أكون عبداً لخالق الأرض و السماء لا مملوكاً بيد العبيد , الحرية أن أكون عزيزاً كريماً لا تملكني سلاسل الذل, و لا تقيد روحي قيود التبعية ...
قال:يا فتى,أستطيع الآن أن أعذبك و أقيدك و أحبسك و أجعلك عبداً لي تركع و تسجد تحت قدمي .
قلت له:تستطيع أن تقيد جسدي و تعذب جسمي , لك أنت أقل من أن تمس روحي و تملك قلبي.. و لن أكون عبداً إلا لجبار السماء و الأرض,ربِ و رب الأنس و الجن .
ألجم الماكر و صمت خاسئاً و ضعيفاً ,ثم قال:حدثني عن حب الوطن و عشقه, ماذا يعني لك الوطن, أليست الأرض واحدة أينما حل الإنسان , و السماء ذاتها أينما أرتحل ؟!
قلت:ألا ترى أن لكل شيء في هذه الدنيا وطن؟! الشمس تُباهي بوطنها السماء , الطيور تغني لوطنها أغاني العشق و الهوى, الوطن هو الحضن الدافئ, و الحب المتدفق, و العطاء الذي لا ينضب, الوطن هو الأمل الذي نعيش من أجله, و شذى الطيب الذي تشتَمُه النفوس, و عبير الحب الذي يفوح على الأرواح.
صاح الخبيث بي:مسكينٌ أنت , و لمَ تحب وطنك كل هذا الحب؟؟!!
أجبت : أحبه و أفديه بروحي و حياتي .
قال الخبيث: لا تقلق يا صغيري , سأجعل وطنك يبكي لفراقك , و يحن إلى حياتك...,كن فخوراً, سأجعل دمك يروي ثرى وطنك.
أطلق علي الرصاص فهبَ والدي نحوي , و قال: أرجوك...لا...
اخترقت الرصاصة صدر أبي فأردته قتيلاً, تألمت روحي عند رؤيتي أبي و قد غرق بدمائه , فقلت :خسئت أيه الوغد, لن يطول الظلام , نحن لن نهان , فأطلق الغدار رصاصة أخرى, اخترقت جسدي لكنها سمت روحي , نظرت إلى أمي و قلت لها:أماه لا تبكي, أماه موعدنا جنة الرحمن , أماه سيزول الظلم و يُدحر الباطل, سيزهر الياسمين , و سيعلو الحق و ينتشر العدل,لن يطول الظلام .. أماه سأسبقك إلى دار الحق , وسيبقى معك وسيم ليغدو مهندساً ناجحاً وولداً باراً.
بقيت الأم مغمى عليها عدة أيام و هي تحتضن ابنها الصغير وسيم, لكن رحمة الله وسعت كل شيء فهناك من بعيد سمعت صوت وسيم امرأة سارعت و أنقذته مع أمه .
و مرت الأيام و غدا وسيم مهندساً بارعاً
لقد كان رامي مسروراً سعيداً يتقلب في جنات و نهر,في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر.
كبر وسيم و تعب ليقدم شيئاً لوطنه الحبيب و ناضل ليحقق أمنية رامي, لم ينسَ يوماً أخاه رامي,لكنه عندما سمع عريف الحف يلقي بعض الكلمات ,فاضت عيناه ,تذكر رامي و سمع صوته , فاختلط صوت رامي مع كلمات العريف: سنعلن _أيه الأخوة_ اسم الفائز الذي نال شرف أن يكون مشروعه هو المرشح لتنفيذ خطة بناء و أعمار لدنا الحبيب ....الفائز هو المهندس البارع الفذ وسيم...
صعد وسيم المنصة على أصوات التصفيق و كلمات الإعجاب , ثم قال:إنه لشرفٌ لي أن أفوز بأفضل خطة لإعمار بلدنا الحبيب, بلدنا الذي عانى كثيراً من بغي البُغاة ,و ظلم العُداة , لكنه بحمد الله عاد إلينا عزيزاً كريماُ بعد أن عاد إليه الأمن و الأمان و غشيته السكينة و الاطمئنان , أيُها الحضور إني أهدي نجاحي هذا لوالدي الشهيد و لأخي رامي و أمي الحبيبة,..
هنا فاضت عينا وسيم بالدموع, فأجهشت أمه بالبكاء,بكت حرناً لفراق رامي , و بكت فرحاً بنجاح وسيم.
إنها نِعمَ الأم زرعت في قلوب أولادها حب الوطن و علمتهم الإخلاص و الوفاء له .
و يبقى الوطن طيبُ الأمل ...





تمتْ


from منتديات مكسات http://ift.tt/1JRZVDF

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire