السلام عليكم
نُجومٌ على الجدَار
كن لي نجمًا ساطعًا
يقطع آلاف السنوات كي يلقي بضوئه على قلبي
كن لي نجمًا برّاقًا
يبقى ضياؤه موجودًا حتى بعد رحيله الأبديْ
كن نجمي
واملأ فراغ سمائي
طُرِق الباب في الصباح الباكر ، ففتحته سيدة في منتصف الثلاثين من عمرها ، ووجدت أمامها شابًا يصغرها بعشر سنواتٍ تقريبًا ، وكان ذا مظهرٍ رزينٍ وهادئ.
قال الشاب بتهذيب: "صباح الخير سيدتي. هل أنتِ السيدة رجاء؟"
ابتسمت ابتسامةً باهة ، فكانت تلك إجابتها ، ثم سألته: "وأنت مخلص؟"
ابتسم مثل ابتسامتها ، ففهمت الإجابة ، ثم دعته للدخول بلطف
مرت دائق قليلة جهزت رجاء فيها شايًا وحلوى لضيفها ، وكانت تشكر الله في سرها لأنها لم ترمي أدوات المائدة الزائدة عن الحاجة كما كانت تفكر
قالت: "أشكرك لمجيئِك ، فقد كنتُ انتظرُ قدومك!"
رد بهدوء: "أنا مَن يجب أن يشكركِ على دعوتكِ لأنني كنتُ أريد أن أرى هذا المكان من جديد"
قالت بتردد محاولةً الوصول لحاجةٍ في نفسها: "حين اشتريتُ الشقة قيل لي بأن مالكها السابق رجلٌ ثري ، ولكنه لمْ يكن يسكن فيها أو يؤجرها أبدًا من قبل ، وأيضًا..."
سكتت قبل أن تكمل بتردد أكبر: "لقد مات دون أن يكون له أولاد ، وهذا غير منطقي!"
نظر لها مخلص باستغراب ، فتابعت كلامها بتوتر مشيرة إلى ماحولها: "أعني.. ماذا كان يفعل بها إن لم يكن يستخدمها؟ كما أن الشقة توحي بأن هناك مَن سكن فيها سابقًا ، ومن بينهم أطفال"
بدت على مخلص الجدية: "لماذا افترضتِ وجود أطفالٍ بالتحديد؟"
قالت بعفوية: "النجوم"
تساءل بدهشة: "نجوم؟!"
أكدت له: "أجل! النجوم المرسومة على الجدار!"
حدق بها في حيرةٍ منتظرًا أن تشرح له قصدها ، فتمتمت: "قبل ثلاثة أشهر أنا..."
وفي لحظةٍ خاطفة عادت بها الذكرى للوراء
قبل ثلاثة أشهر
قبل أن تكتشف بأن النجوم قد تسكن الجدران!
"يا أيتهما النجومُ المتناثرةُ في السماء
ها أنا أواصلُ السهرَ وحدي بين أربعةِ جدران ، فلا أراكِ!
هل سمعتِ يا نجوم عن الساهرين في القرون الماضية؟
أولئك الذين عجزوا عن النوم من شدة التفكير.. أو من شدة الحب؟
أعلم يا نجوم أن الناس الآن يسهرون لهوًا ولعبًا ، فأنا كنتُ منهم
أما الآن فأنا لا أستطيع النوم.. من الهم!"
رمَشَت بعينيها عدة مرات بينما كانت مستلقيةً على سريرها في غرفتها الصغيرة
لاحظت بأنها تتحدث إلى السقف وتخاطبه على أنه سماءٌ مرصعة بالنجوم ، فنهضت بسرعة وتلفتت كأنها تتأكد من عدم وجود شاهدٍ على تصرفها الأحمق ، فلم ترَ سوى بضع قطعة من الأثاث -القديمِ والمتهالك- تستند على الحوائط الفارغة.
قالت بقهر: "عن مَن أبحث وأنا أعيش وحدي في هذه الشقة؟ عن الأشباح!!؟"
استقلت مرة أخرى ، وغطت عينيها بذراعها كي لا ترى شيئا مما حولها ، ولكنها رأت الظلام! ظلامٌ كله فراغ!
"النهار مملٌ جدًا
المساء مملٌ جدًا
أوقاتُ نومي المتقطع قاتلة!"
لوت فمها بانزعاج ، وأكملت: "رغم ذلك يبقى النوم أفضل من تأمل الجدران!"
قالت تلك الكلمات لشعاعِ الشمس العابر من نافذةِ المطبخ
صمتت دون أن تزيح عينيها عن الشعاع ، وكأنها تنتظر منه جوابًا ، ولكن الغريب بأن الشعاع تجاهل كلامها ولم يرد عليها!
تنهدت ، ثم بحثت عن شيء تأكله في الثلاجة وفي كل خزانةٍ يحتويها المطبخ الصغير
حتى أنها فتحت الدرجَ الذي يحتوي على الملاعق والسكاكين علها تجد شي يفتح شهيتها للأكل ، وحين لم تجد شيئًا أغلقت الدرج بقوة ارتعشت لها الملاعقُ وقفزت رعبًا
خرجت من المطبخ متسائلة بغضب: "لماذا يوجد الكثير من أدوات الطعام لشخص واحد؟ أظن بأن علي رميها ، والإبقاء على واحدةٍ فقط من كل أداة!"
رنّ هاتفها الجوال ، فتأملته مترددةً في الإجابة على المتصل أو تجاهله إلى أن توقف الرنين ، فتنهدت بارتياح ، ولكن قطعت الراحة حين عاود الشخص نفسه الاتصال
استجمعت شجاعتها وردت: "مرحبًا؟"
جاءها صوت أخيها من الطرف الآخر: "آه! هل أيقظتكِ من النوم؟"
مطَّت شفتيها بضيق: "لا"
وكادت أن تضيف: "ألهذا السببِ اتصلت؟؟" ولكنها امتنعت عن ذلك
قال أخوها بحذر: "رجاء.. هل كنتِ تبكين؟"
ردت رجاء مباشرةً بحزم: "لا!"
اعترض: "لماذا صوتكِ مبحوح إذن؟!"
أجابت ببرود: "أنا وحدي طيلة الوقت ، ولا أتحدث إلى أحد"
وتمتمت في نفسها: "إلا الجدران!"
ثم أكملت: "لذلك صوتي يبدو غريبًا من قلةِ الاستخدام!"
احتد صوته حينها: "إذا لم تكوني نائمة ، ولا تبكين ؛ فلماذا لا تردين على اتصالاتنا؟ إننا قلقون عليكِ"
فوجئت من كلامه ، فالتزمت الصمت تهربًا من الرد
أضاف بلينٍ بعد أن طال صمتها: "يا عزيزتي ، إلى متى تريدين البقاءَ هكذا؟ تقضين الوقت وحدكِ دون أن تخرجي أو يزوركِ أحد ، ولا تريدين حتى التحدث بالهاتف. على الأقل تحدثي مع أبي وأمي وطمئينيهما عليكِ"
امتلأت عيناها بالدموع ، ولكنها قاومت البكاء: "لا أريد رؤية أحد بل أحتاج بعض الوقت وحدي!"
صاح بانفعال: "إلى متى ستُغرقين نفسكِ في حزنكِ؟ مضت أكثرُ من سنة"
صرخت: "فلتمضِ عشرون سنة!"
ثم أغلقت الهاتف في وجهه
الرجاء عدم الرد
from منتديات مكسات http://ift.tt/16o6gJ2
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire